وهبة الزحيلي
16
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
[ البقرة 2 / 185 ] ، وقال سبحانه : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ، إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [ الدخان 44 / 3 ] ، وقال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . . . [ القدر 98 / 1 ] . واستمر نزول القرآن في مدى ثلاث وعشرين سنة إما في مكة وإما في المدينة وإما في الطريق بينهما أو في غيره من الأماكن . وكان نزوله إما سورة كاملة كالفاتحة والمدثر والأنعام ، أو عشر آيات مثل قصة الإفك في سورة النور ، وأول سورة المؤمنين ، أو خمس آيات ، وهو كثير ، أو بعض آية ، مثل : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [ النساء 4 / 95 ] بعد قوله تعالى : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ النساء 4 / 95 ] ومثل قوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، إِنْ شاءَ ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ التوبة 9 / 28 ] ، فإنه نزل بعد : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [ التوبة 9 / 28 ] . وتعددت حكمة إنزال القرآن منجما ، بسبب المنهج الإلهي الذي رسم به طريق الإنزال ، كما قال تعالى : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ، وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [ الإسراء 17 / 106 ] . من هاتيك الحكم : تثبيت قلب النّبي صلّى اللّه عليه وسلم وتقوية فؤاده ليحفظه ويعيه ، لأنه كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب ، قال اللّه تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ، كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ، وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [ الفرقان 25 / 32 ] . ومنها : مراعاة مقتضيات التدرّج في التشريع ، وتربية الجماعة ، ونقلها على مراحل من حالة إلى حالة أحسن من سابقتها ، وإسبال الرحمة الإلهية على العباد ، فإنّهم كانوا في الجاهلية في إباحية مطلقة ، فلو نزّل عليهم القرآن دفعة واحدة ، لعسر عليهم التكليف ، فنفروا من التطبيق للأوامر والنواهي .